مركز وسائل الإعلام

النماء في مرحلة الطفولة المبكرة يبدأ من لبن الأم

الدكتورة فلافيا بوستريو، المدير العام المساعد في منظمة الصحة العالمية

تعليق
2 آب/أغسطس 2016

إن الرضاعة الطبيعية الحصرية هي أفضل وسيلة لمنح طفلك بداية عظيمة في مقتبل عمره. ويلزمنا جميعاً أن نبذل كل ما في وسعنا لدعم النساء اللواتي يرغبن في إرضاع أطفالهن طبيعياً في أي وقت وفي أي مكان.

ويطرأ على دماغ الطفل بعض التغييرات الملحوظة في السنوات الثلاث الأولى من عمره، وتتشكل فيها الوصلات العصبية بسرعة أكبر بكثير من أي مرحلة أخرى تتطور فيها قدرته على النطق ومهاراته، ويترسخ فيها بنيان دماغه ووظائفه.

الدكتورة فلافيا بوستريو، المدير العام المساعد في منظمة الصحة العالمية
الدكتورة فلافيا بوستريو، المدير العام المساعد في منظمة الصحة العالمية

ولهذا السبب فإن منظر إرضاع الأم لصغيرها طبيعياً يثلج صدري على الدوام، فهي علاوة على تزويده بمصدر مثالي للتغذية في وقت مبكر من خلال إرضاعه طبيعياً، إنما تحتضنه أيضاً بالحب والحناه وتشعره بالأمان، وأنا على يقين من أنها تمنحه أفضل بداية في مقتبل العمر.

ولا جدال حول البيّنات التي تثبت أن استهلال الرضاعة الطبيعية الحصرية عند الولادة هو أساس النماء في مرحلة الطفولة المبكرة. وأكدت دراسات نُشِرت في وقت سابق من هذا العام بمجلة لانسيت اعتقادنا الراسخ منذ أمد طويل، ومؤداه أن الرضع الذين يتغذون حصراً على لبن الأم لمدة ستة أشهر على الأقل لديهم أفضل فرصة للتمتع بنماء قوي في مرحلتي الطفولة والمراهقة.

مزايا تدوم طوال العمر

ونحن الآن على علم أيضاً بأن الرضاعة الطبيعية الحصرية يمكن أن تمنح الطفل مزايا تدوم طوال العمر. وتبيّن من الاستعراضات المنشورة في مجلة لانسيت ,وجود صلة واضحة بين طول فترة الرضاعة الطبيعية وارتفاع معدل ذكاء الطفل ودرجاته في التحصيل الدراسي.

ورأى الباحثون أن هذا الأمر يؤدي إلى تحقيق أرباح أعلى في الحياة بوقت لاحق من العمر – بواقع زيادة نسبتها 12٪ في الساعة بالبلدان المرتفعة الدخل، و16٪ في البلدان المنخفضة الدخل وتلك المتوسطة الدخل.

وللأسف، فإنه برغم أن فوائد الرضاعة الطبيعية الحصرية لم تتحقق بعدُ في أصقاع كثيرة من العالم، فإن هناك طفلاً واحداً فقط من أصل خمسة أطفال يحصل على الرضاعة الطبيعية لمدة 12 شهراً في البلدان المرتفعة الدخل، في حين لا يحصل مطلقاً ثلث الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وسنتين على هذه الرضاعة الطبيعية في البلدان المنخفضة الدخل وتلك المتوسطة الدخل.

نماء مثلى من الناحيتين البدنية والعقلية

ويُحرم بذلك ملايين الأطفال من فرصة نماء مثلى من الناحيتين البدنية والعقلية، الأمر الذي قد يحدّ على الصعيد الفردي من قدرة الطفل على تحقيق أهدافه الشخصية والاجتماعية، ويخلّف بشكل جماعي آثاراً سلبية جسيمة على المجتمع.

وأشارت أيضاً تقديرات وردت في دراسات نشرتها مجلة لانسيت, إلى ضياع مبلغ قدره 300 مليار دولار أمريكي سنوياً على النمو الاقتصادي من جراء تعذّر تحقيق القدرات العقلية للأطفال الذين لا يحصلون على الرضاعة الطبيعة الحصرية في مرحلة الرضاعة.

والقرارات المتعلقة بوقت الرضاعة الطبيعية وطول مدتها هي خيارات شخصية صرفة بالنسبة إلى كل أم، ولكن يلزمنا كمجتمعات زيادة وعينا بفوائد الرضاعة الطبيعية وبذل كل ما في وسعنا لدعم النساء اللواتي يرغبن في إرضاع صغارهن طبيعياً كلّما احتجن إلى ذلك وأينما كنّ.

وقد يؤدي راسمو السياسات دوراً أكبر بكثير في هذا المضمار عن طريق تحسين التشريعات التي تدعم إرضاع الأمهات لصغارهن إرضاعاً طبيعياً حصراً، وهو أمر ينطوي على زيادة إجازات الأمومة وتعزيز نوعية الرعاية المقدمة في مرافق الأمومة لتشمل إسداء المشورة بشأن الرضاعة والحماية من الأنشطة الشرسة لتسويق بدائل لبن الأم، كيما يتسنى للأمهات اكتساب الثقة في قدراتهن على الإرضاع الطبيعي.

ونحن عاكفون في المنظمة على العمل مع البلدان للقيام بحلول عام 2025 بزيادة معدل الرضاعة الطبيعية الحصرية في الأشهر الستة الأولى من العمر لكي تصل إلى نسبة 50٪ على الأقل. وتحقيقاً لذلك، فإن المبادرة العالمية بشأن الدعوة إلى الرضاعة الطبيعية التي تقودها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) والمنظمة بالتعاون مع الشركاء الدوليين، تواصل تشجيع البلدان على تنفيذ المدونة الدولية لتسويق بدائل لبن الأم، وتعزيز السياسات المتعلقة بمنح الإجازات الأسرية وتلك المتعلقة بأماكن العمل، وتحسين سبل الحصول على الدعم من المرافق الصحية والمجتمعات المحلية لممارسة الإرضاع الطبيعي.

ونحن عاكفون في المنظمة على العمل مع البلدان للقيام بحلول عام 2025 بزيادة معدل الرضاعة الطبيعية الحصرية في الأشهر الستة الأولى من العمر لكي تصل إلى نسبة 50٪ على الأقل.

الدكتورة فلافيا بوستريو، المدير العام المساعد في منظمة الصحة العالمية

وتدعو أيضاً أهداف التنمية المستدامة إلى أن "تتاح لجميع الفتيات والفتيان فرص الحصول على نوعية جيدة من النماء"، والتي يجب أن تشمل الرضاعة الطبيعية.

الرضاعة الطبيعية الحصرية لمدة ستة أشهر في جميع المواضع

ودعماً لبلوغ الأهداف المذكورة، فإن الاستراتيجية العالمية بشأن صحة المرأة والطفل والمراهق توصي بحماية ودعم الرضاعة الطبيعية الحصرية لمدة ستة أشهر في جميع المواضع، بما فيها المواضع الإنسانية والهشة – كونها من التدخلات العالية المردودية والسهلة التي تسهم في بقاء الطفل على قيد الحياة وتمتعه بأمثل مستوى من الصحة والنماء.

وستُطلق في خريف هذا العام سلسلة جديدة من مجلة لانسيت عن النماء في مرحلة الطفولة المبكرة برعاية مشتركة من المنظمة واليونيسيف. ونحن نعلم أن هناك عدد يقدّر حالياً بنحو 200 مليون طفل ممّن هم اليوم على قيد الحياة وسيعجزون عن تحقيق كامل قدراتهم البدنية والعقلية والاجتماعية بسبب عوامل سلبية تحول دون نمائهم في مرحلة الطفولة المبكرة، ومنها عدم حصولهم على الرضاعة الطبيعية.

وستتولى سلسلة مجلة لانسيت تقصي السبل الكفيلة بتطبيق المعارف العلمية لمساعدة الأطفال على أن تعود عليهم السنوات الأولى من عمرهم بأفضل الفوائد، وستكون الرضاعة الطبيعية وضمان التغذية السليمة من العناصر الرئيسية لتلك السلسلة.

ونحن نعلم أن العالم لا يقدم الدعم اللازم للنساء اللواتي يرغبن في إرضاع صعارهن طبيعياً، ولكن بإمكاننا تغيير ذلك، لأن دعم الأمهات على الإرضاع الطبيعي في أي وقت وفي أي مكان هو أول خطوة على طريق مساعدة الأطفال كافة على تحقيق كامل قدراتهم.